أخبار لبنانية

السياحة الشتوية في جزين وقضائها… هل تنجح البلديات والناشطون في تحويل «عروس الشلال» إلى وجهة سياحية على مدار السنة؟

السياحة الشتوية في جزين وقضائها… هل تنجح البلديات والناشطون في تحويل «عروس الشلال» إلى وجهة سياحية على مدار السنة؟

 

متابعة رئيسة تحرير «أخبار الأرز» الآنسة سارة العمر

 

في ظلّ تراجع الحركة السياحية بعد انتهاء المهرجانات الصيفية، وغياب النشاطات الكافية خلال هذا العام، تبرز الحاجة إلى إعادة طرح ملف السياحة الداخلية والبيئية والشتوية في لبنان، ولا سيما في مدينة جزين وقضائها، باعتباره فرصة حقيقية لدعم الاقتصاد المحلي وتعزيز الانتماء إلى المناطق اللبنانية.

 

وفي هذا الإطار، أجرت رئيسة تحرير «أخبار الأرز» الآنسة سارة العمر سلسلة اتصالات مع عدد من الناشطين في المجال السياحي والبيئي، للاطلاع على رؤيتهم لكيفية تطوير السياحة الشتوية، ودور البلديات في دعم المبادرات البيئية والسياحية، وسبل التعاون بين المجتمع المحلي والناشطين والسلطات البلدية.

 

الناشطون: المطلوب أن تكون البلدية للجميع

 

يشدد الناشطون الذين تحدثت إليهم «أخبار الأرز» على أن نجاح أي مشروع للسياحة البيئية يحتاج أولاً إلى تعاون حقيقي بين البلديات والمجموعات والناشطين، بعيداً عن الخلافات السياسية والحسابات الشخصية.

 

ويقول أحد الناشطين إن البلدية يجب أن تكون مساحة لجميع أبناء المنطقة، وأن تتعامل مع أصحاب المبادرات والمجموعات الشبابية على أساس المشروع والكفاءة، وليس على أساس الانتماء السياسي أو الاختلاف في الرأي.

 

ويضيف: «نحن كناشطين لا ننتمي إلى أي حزب أو بلدية. نحن مجموعة من الشباب بدأنا منذ أواخر عام 2006 مسيرة ناشطة لدعم السياحة الداخلية والبيئية، ونظمنا على مدى سنوات العديد من الدعوات والرحلات والنشاطات السياحية. ومن خلال علاقاتنا مع الناشطين والمجموعات في مختلف المناطق اللبنانية، تمكنا من المساهمة في استقبال أكثر من 100 ألف زائر بين عامَي 2006 و2019».

 

جزين… مدينة الاصطياف التي تستطيع أن تكون وجهة شتوية أيضاً

 

تُعرف جزين تاريخياً وسياحياً بأسماء عديدة، من بينها «عروس الجنوب» و«عروس الشلال»، وهي من أبرز مدن الاصطياف في لبنان.

 

لكن السؤال الذي يطرحه الناشطون اليوم هو: لماذا تبقى جزين مرتبطة بالسياحة الصيفية فقط؟

 

فبحسب رؤيتهم، تمتلك جزين وقضاؤها مقومات تسمح بتحويلها إلى وجهة سياحية على مدار السنة، وخصوصاً خلال فصل الشتاء، من خلال إعادة تأهيل المواقع الأثرية، وتنظيف المسارات الجبلية، وفتح طرقات المشي، وإعداد خرائط للمواقع الطبيعية والأثرية، وإطلاق برامج منتظمة للسياحة البيئية.

 

ويؤكد الناشطون أن جزين لا تحتاج إلى اختراع مقومات سياحية جديدة، بل تحتاج إلى اكتشاف ما هو موجود أصلاً وإظهاره للزوار بطريقة منظمة واحترافية.

 

غابة بكاسين… أكثر من مجرد غابة

 

ومن أبرز الأمثلة التي يتحدث عنها الناشطون غابة بكاسين، التي تُعد من أهم المعالم الطبيعية في المنطقة، وتشتهر بثروتها الحرجية ومساحاتها الواسعة.

 

لكن ما لا يعرفه كثيرون، بحسب الناشطين، هو أن محيط الغابة يخفي العديد من المعالم التي يمكن أن تشكل جزءاً من مسارات سياحية وبيئية، ومنها مواقع أثرية، ومطاحن قديمة، وجسور تاريخية ومسارات جبلية.

 

ويرى الناشطون أن المطلوب هو إجراء مسح ميداني وأثري وجيولوجي علمي لهذه المواقع، وتحديد ما يمكن فتحه أمام الزوار، مع الحفاظ على طابعها الطبيعي والأثري.

 

عازور… طبيعة ومسارات وتخييم بإطلالات مميزة

 

ولا تتوقف المقومات السياحية عند جزين وبكاسين، إذ يشير الناشطون إلى أن نطاق بلدية عازور الجغرافي يضم مساحات طبيعية واسعة وطرقات جبلية يمكن استثمارها في السياحة البيئية والرياضات الجبلية.

 

كما توجد مواقع مرتفعة تصلح للتخييم والتنزه، مع إطلالات مميزة باتجاه سهل مرج بسري، إضافة إلى مغارة الوطواط، وغيرها من المواقع التي يمكن أن تدخل ضمن برنامج سياحي بيئي متكامل.

 

ويعتبر الناشطون أن التعاون بين البلدية والمجموعات الشبابية يمكن أن يحول هذه المواقع إلى وجهات تستقطب الزوار من مختلف المناطق اللبنانية.

 

روم… كنوز طبيعية تحتاج إلى من يفتح الطريق إليها

 

أما بلدة روم، فتضم بدورها مجموعة من الطرق الجبلية والمسارات الطبيعية التي يمكن استخدامها للمشي والرياضات البيئية.

 

ويشير الناشطون إلى وجود نهر ومواقع طبيعية، إضافة إلى بعض المطاحن القديمة التي كانت تُستخدم تاريخياً، إلا أن الوصول إلى بعضها يحتاج إلى عمل ميداني كبير، وفتح وتنظيف المسارات المؤدية إليها.

 

ويؤكدون أن إنجاز هذه المهمة ليس مستحيلاً، بل يحتاج إلى إرادة وتعاون بين البلدية والناشطين وأبناء المنطقة، خصوصاً أن العمل البيئي والسياحي يمكن أن يبدأ بخطوات بسيطة ومنظمة.

 

أين بلدية جزين من هذه المبادرات؟

 

وعندما انتقلت «أخبار الأرز» إلى السؤال الأبرز حول التعاون مع بلدية جزين، كان جواب الناشطين واضحاً: حتى اليوم لا توجد، بحسب قولهم، مؤشرات كافية على وجود تعاون منظم بين البلدية والناشطين في مجال السياحة البيئية.

 

ويشيرون إلى أنهم لم يتلقوا حتى الآن دعوة رسمية واضحة لعقد لقاء يجمع البلدية بالمجموعات والناشطين للبحث في خطة مشتركة للسياحة الشتوية والبيئية.

 

ويعتبر الناشطون أن أي خلاف سابق يجب ألا يكون عائقاً أمام التعاون، لأن السياحة والبيئة والتراث ملك لجميع أبناء جزين وقضائها، وليست ملكاً لفريق أو جهة سياسية واحدة.

 

ماذا لو فتحنا المسارات الجبلية؟

 

يرى الناشطون أن واحدة من أهم الخطوات العملية يمكن أن تكون إطلاق مشروع لإعادة فتح مسارات المشي الجبلي Hiking التي أصبحت أجزاء منها مغلقة بسبب الأعشاب والأشواك والإهمال.

 

ويشمل المشروع، بحسب رؤيتهم:

 

– تنظيف وفتح المسارات الجبلية.

– وضع إشارات واضحة وإرشادات للزوار.

– إعداد خرائط لمسارات المشي.

– تنظيف وترميم المواقع الأثرية وفق المعايير العلمية.

– حماية المدافن والمواقع التاريخية وعدم العبث بها.

– إجراء دراسات جيولوجية وأثرية للمناطق المهمة.

– إنشاء مسارات تربط بين المواقع الطبيعية والأثرية.

– تنظيم رحلات شتوية بالتعاون مع مجموعات من مختلف المناطق اللبنانية.

– التواصل مع مجموعات وناشطين سياحيين وبيئيين خارج لبنان لاستقطاب الزوار.

 

ويعتقد الناشطون أن هذه الخطوات يمكن أن تجعل جزين وقضاءها وجهة تستقبل عشرات الآلاف من الزوار خلال فصل الشتاء، إذا ترافقت مع خطة إعلامية وسياحية منظمة.

 

نبع جزين… قصة تاريخية وطبيعة تحتاج إلى عناية

 

ومن المواقع التي يركز عليها الناشطون أيضاً نبع جزين، باعتباره موقعاً طبيعياً وتاريخياً مميزاً، تحيط به العديد من الحكايات والروايات المرتبطة بتاريخ المدينة.

 

ويرون أن النبع ومحيطه يمكن أن يكونا جزءاً من مسار سياحي داخل المدينة، شرط الاهتمام بالنظافة، وتنظيم المكان، ووضع المعلومات التاريخية بطريقة علمية، وربط الموقع بباقي المعالم الطبيعية والأثرية.

 

السياحة الشتوية ليست مهرجاناً… بل خطة مستدامة

 

ويختم الناشطون حديثهم بالقول إن المشكلة لا تكمن فقط في عدد المهرجانات أو حجمها، بل في غياب خطة سياحية مستدامة تمتد طوال العام.

 

فالسياحة الشتوية لا تحتاج بالضرورة إلى مهرجان كبير كل أسبوع، بل تحتاج إلى مسارات مفتوحة، وطبيعة نظيفة، ومواقع أثرية محفوظة، وبيوت ضيافة ومطاعم جاهزة لاستقبال الزوار، وبرامج للمشي والتخييم والرحلات البيئية، إضافة إلى حملة إعلامية تصل إلى كل المناطق اللبنانية وخارج لبنان.

 

ويقول أحد الناشطين لـ«أخبار الأرز»:

 

««جزين لا ينقصها التاريخ ولا الطبيعة ولا الجمال. ما ينقصها هو أن نجمع هذه العناصر ضمن مشروع واحد، وأن تتعاون البلدية مع الناشطين والمجموعات الشبابية. نحن لا نريد أن نأخذ مكان أحد، ولا نطلب شيئاً سياسياً. نريد أن نعمل من أجل جزين».»

 

ويبقى السؤال مفتوحاً: هل تستطيع بلدية جزين، بالتعاون مع الناشطين والمجتمع المحلي، إطلاق ورشة حقيقية للسياحة البيئية والشتوية، تجعل من عروس الشلال وجهة سياحية في كل فصول السنة؟

 

فالفرصة موجودة، والمقومات موجودة، والشباب موجودون… وما ينقص هو قرار التعاون وتحويل الأفكار إلى خطة عمل فعلية تخدم جزين وأبناءها واقتصادها وتراثها.

زر الذهاب إلى الأعلى