رحلة إلى جزين… لقاء مع ابن البلدة وحكاية عشق الأرض والكنيسة
رحلة إلى جزين… لقاء مع ابن البلدة وحكاية عشق الأرض والكنيسة
في رحلتنا اليوم إلى مدينة جزين، التقينا بأحد أبناء البلدة الأصليين، الذي حمل في قلبه حب الأرض والهوية، وفتح لنا أبواب ذكرياته وتجربته الطويلة مع المدينة وكنيستها وحياتها التقليدية والاجتماعية.
بدأ حديثه بحنين كبير للماضي، مؤكّدًا أن ارتباطه بجزين ليس مجرد شعور، بل أسلوب حياة. قال لنا إنه منذ سنوات شبابه الأولى أحب الحياة والمغامرة، وكرّس نفسه للحفاظ على الطبيعة والبيئة، لأن من يحب الأرض يحب وطنه. وأضاف أن عشقه لجزين بدأ منذ طفولته، عندما كان هو ورفاقه يذهبون إلى المدرسة الصيفية “كولوني شلال جزين” التي كانت تُنظّم برئاسة الأستاذ بطرس سليم والسيدة ندى سليم والأب مالك عون الذي أصبح لاحقًا كاهنًا، بالإضافة إلى شادي دندن من الصليب الأحمر اللبناني في جزين، الذي أصبح أيضًا كاهنًا لاحقًا.
وأشار إلى أن كولوني شلال جزين كانت تنظم حفلات، رحلات، ومسرحيات في مدرسة الثانوية في جزين، كما كانوا يقدمون وجبات وأطباق يومية للطلاب المشاركين. وكان من أبرز نشاطاتها الكارميس السنوية التي كانت تضيف جوًا من البهجة والتواصل بين أبناء البلدة، وعلمته منذ صغره حب المجتمع والتعاون والخدمة.
الحياة التقليدية قبل عام ٢٠٠٠ والسوق التراثي
قبل عام ٢٠٠٠، كانت جزين تزخر بالحياة والبساتين؛ فقد كانت تحتوي على حقول مزروعة بالفاكهة تعود ملكيتها إلى دير مار أنطونيوس البدواني، بينما كان بعض أهالي البلدة يزرعون القمح قرب بلدية جزين على الأراضي التي يعمل بها أشخاص من عين مجدلين.
كما كانت جزين تشتهر بأفرانها التقليدية، حيث كان هناك أربعة أفران رئيسية:
1. الفرن الأول لصاحب وديع الحلو بالقرب من مدخل السوق التراثي.
2. الفرن الثاني لصاحب جان باسيل عند المدخل الثاني للسوق باتجاه دير مار أنطونيوس.
3. الفرن الثالث قرب الدير، لصاحب سليم عازار، يصنع الخبز على الحطب.
4. الفرن الرابع لصاحب جوزيف عون.
كان السوق التراثي في جزين يضم مجموعة متنوعة من المحلات التقليدية: محل لبيع الأسماك، محل للبزورات، محل للدواليب، محطة بنزين، محل لبيع الأجهزة والتليفونات القديمة. كما كانت هناك سيدة تُدعى نديمة تقوم بتنزيين النساء في الأعياد والأعراس. في نهاية السوق كان يوجد مقهى العين الذي انتقل لاحقًا إلى شخص يُدعى عقل سليم، بالقرب منه كانت هناك قهوة القزاز، ملحمة صغيرة لصاحبها ريشارد، ومسْمكة لصاحب أرمني لم يُذكر اسمه.
وأضاف أن أهالي جزين كانوا يحتفلون أيضًا بالأعراس قرب فندق الأهرام، وكانت هذه الاحتفالات تجمع العائلات والأصدقاء في أجواء من الفرح والترابط الاجتماعي.
الأنشطة الدينية والاجتماعية ومحبة أبناء جزين
نشاطاته لم تقتصر على الحياة اليومية والسياحة، بل شملت المشاركة في القداديس وتنظيم الأعياد المسيحية. ففي عيد الميلاد المجيد وعيد الجمعة العظيمة، كان هو ورفاقه ينظمون الاحتفالات في كنيسة الراعية، بدءًا من نقل الأحجار الصخرية من معامل جزين إلى الكنيسة لإحياء ذكرى الجمعة العظيمة، ووصولًا إلى تزيين شجرة عيد الميلاد ووضعها داخل الكنيسة.
وكان كل ذلك يتم بتعاون مع المثلث الرحمة الأب ريمون عيد، والمرنم ضاهر سليم، وسيدة من آل عازار، وتمثيل سيدة العذراء من آل سليم، إضافة إلى أبناء الرعية.
وأكد أن الأب ريمون عيد لعب دورًا محوريًا في تنشئة أبناء جزين على محبة الكنيسة والقيم الاجتماعية، حيث أسس فريقًا رياضيًا باسم “تلاميذ مار مارون”، يشارك في كافة الأنشطة داخل جزين وخارجها، وكان هو واحدًا من هؤلاء الشباب. كما أشار إلى محبته الكبيرة تجاه أبناء جزين جميعًا، وكان دائمًا يقصد الأب مبارك من عائلة عون، المعروف بـ”الأب القديسة”، للصلاة وطلب النصيحة، على الرغم من تحمل الأب مبارك للكثير من الأوجاع، خاصة بعد إصابته في رجله نتيجة انفجار أمام دير مار أنطونيوس.
ذكريات من عام ٢٠٠٠ – المناولة الأولى
استذكر أيضًا عام ٢٠٠٠، حين كان تلاميذ مدرسة جزين الرسمية، المعروفة بمدرسة الأب ريمون عيد، يأخذون القربانة الأولى في كنيسة مار مارون جزين على يد المطران طانيوس الخوري، وبحضور الأب ريمون عيد، الأب غازي الخوري، الشماس جورج عواد، مدير المدرسة غسان رحال، والمعلمين مارون الأسمر وبعض الأساتذة وأهالي التلاميذ.
كانت الفرحة تعم الكنيسة، لكن في الوقت نفسه كانت هناك لحظات حزينة، إذ كان بعض التلاميذ سيغادرون جزين إلى الأبد. طلب الأب ريمون عيد من مدير المدرسة أن ينتقل التلاميذ بعد المناولة إلى صالون الكنيسة للاحتفال معًا، ومن ثم إلى المدرسة لتوديع رفاقهم وأقربائهم، في مشهد مؤثر مليء بالدموع والمحبة.
فقدان الأحباء – عام ٢٠٠٤
عام ٢٠٠٤ حمل معه وجعًا شخصيًا عميقًا. فقد هذا الرجل أغلى الأشخاص على قلبه، شقيقه، الذي كان بالنسبة له القسم الثاني من حياته. بعد معاناة طويلة مع المرض وعمليات غسل الكلى وزيارات مستمرة للمستشفيات طلبًا للشفاء، اختاره الرب ليكون ملاكًا في السماء. كانت هذه الخسارة لحظة محورية في حياته، علمته أن الحب الحقيقي للأرض والناس يتجاوز الزمن ويصمد رغم الألم والفقد.
الرحلة بين التحديات والنضال
تحدث عن الصعوبات التي واجهها مع مرور الزمن، خصوصًا بعد عام ٢٠٠٥، عندما بدأت البلدة تفقد شبابها، وصارت الحياة فيها أكثر هدوءًا، وكأنها فقدت جزءًا من روحها. ومع ذلك، لم ييأس، بل بدأ منذ عام ٢٠٠٨ مشروعًا لإعادة جزين إلى الخريطة السياحية، بالتعاون مع شباب من خارج البلدة ومجموعات بيئية ورياضية، وصولًا إلى عام ٢٠١٤ حين انطلقت نشاطات التوثيق والتصوير الجوي، لتصل صور وفيديوهات جزين إلى أقصى العالم.
ورغم النجاح الكبير الذي حققوه، اعترف بأن السنوات الأخيرة حملت له ألمًا كبيرًا، خصوصًا بعد فقدان معظم النشاطات التي كان يعمل عليها منذ عقود. وقال لنا: “من يفقد ما يحب… يفقد جزءًا من قلبه، ومن يفقد وطنه… كأنه فقد حياته.”
رحلتنا اليوم كانت أكثر من مجرد زيارة سياحية؛ كانت لقاءً مع قصة حياة، حكاية صمود، وعشق الأرض والكنيسة والحياة التقليدية والاجتماعية في جزين. تجربة ابن جزين تذكّرنا بأن المدينة ليست مجرد مكان، بل هوية وذكريات وأمل، لا يمكن أن تُفقد رغم كل الصعاب.
