جزين في الأعياد المجيدة… بين ذاكرة الفرح وواقع الحرمان

لطالما كان عيد الميلاد عيد المحبة والمسامحة وفتح القلوب، العيد الذي تُضاء فيه البيوت قبل الشوارع، وتُزرع فيه البسمة على وجوه الأطفال قبل أن تُعلّق الزينة على الأشجار. لكن جزين، هذه المدينة التي عُرفت لعقود بأنها منارة الفرح في موسم الأعياد، تعيش اليوم واقعاً مختلفاً، حيث تعاني العديد من العائلات من الحرمان، وباتت غير قادرة على الاحتفال كما يليق باستقبال طفل المذود.
على مدى عشرات السنين كان الميلاد في جزين عنواناً للفرحة الأصيلة. لم يكن العيد حكراً على عائلات ميسورة أو أصحاب النفوذ، بل كان عيداً يجمع الجميع بلا استثناء. كانت قلوب الأهالي أكبر من خلافاتهم، وكانت الأيادي البيضاء تمتد بصمت نحو البيوت الأكثر فقراً، لتصل الهدايا والطعام قبل ليلة العيد، فيستنير كل بيت بنوره الخاص.
لكنّ هذه العادات بدأت تتراجع، ومعها تراجعت روح المحبة التي كانت تجمع أهل المدينة. أصبحت الزينة في الشوارع مجرد شكل جميل لا يدخل الدفء إلى بيوت لا تملك القدرة على الاحتفال. والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم: أين المسؤولون؟ أين أصحاب المبادرات؟ وأين من كان يمد يده لأخيه قبل غريب؟
في السبعينات والثمانينات وأواخر التسعينيات، كانت جزين تعيش عيد الميلاد كما لو كانت مهرجاناً روحياً واجتماعياً يمتد لأسابيع. نادي شلال جزين كان القلب النابض لهذه المبادرات:
فرقة الموسيقى بقيادة مارون العرية كانت تتدرّب ليلاً ونهاراً لتقديم أجمل الألحان ليلة العيد.
الشبيبة كانت تستعد مسبقاً لتقديم الزياح والهدايا للأطفال في المدارس والبيوت.
كانت عربة الخيل والزيّ الميلادي تُحضَّر بدقة ومحبة، لتنطلق المسيرات من نبع جزين نحو أحياء المدينة كلها: حي الشاوي، المخاضة، شارع الجنرال ديغول، البيادر، وصولاً إلى مدرسة الراهبات ثم حي مار يوسف فالقصر البلدي.
كانت الهدايا تُوزَّع على الأطفال دون تمييز، وكانت الكنيسة والرعية ترسل الشبان لتوزيع الحلوى واللحوم والحاجات على العائلات الأكثر فقراً.
وعند الثامنة مساءً، كان ليل جزين يُضاء بالألعاب النارية، وتتعالى موسيقى الميلاد في شوارعها لتعلن أن العيد فرحة للجميع.
ذلك الزمن لم يكن بعيداً… لكنه يبدو اليوم كأنه من الماضي البعيد، بعدما دخلت السياسة إلى القلوب فمزّقت ما جمعته المحبة لسنوات. تراجعت المبادرات، وتوقف كثيرون عن الاهتمام بتلك التقاليد التي شكّلت هوية المدينة وروحها.
اليوم، جزين بحاجة إلى من يعيد إليها نبض العيد.
بحاجة إلى من يترفع عن الخلافات العائلية والسياسية، ويعيد إحياء رسالة الميلاد الحقيقية: المحبة، المسامحة، وبسمة طفل.
فالعيد لا يكتمل بزينة في الشوارع، بل بزينة في القلوب.



















