جزين بين الذاكرة والثلج والزلزال: شهادات من زمن العذاب والصمود
جزين بين الذاكرة والثلج والزلزال: شهادات من زمن العذاب والصمود٢
تحقيق خاص – أخبار الأرز
بين الأزقّة القديمة، والبيوت ذات الأسقف الترابية، والجبال التي تعانق البلدة من كل الجهات، تحمل جزين في وجدان كبارها قصصاً لا تشبه إلا تاريخ هذه البلدة الصابرة. في إطار جولتها الميدانية، استكملت أخبار الأرز زيارتها لعدد من كبار السن الذين ما زالوا على قيد الحياة، أولئك الذين عاشوا جزين منذ الخمسينيات، وتابعوا التحوّلات الكبيرة التي شهدتها حتى تسعينيات القرن الماضي، بين الزلازل والعواصف الثلجية والانهيارات ومعارك البقاء.
“يا بنتي… جرّبنا أيام ما بتنذكر”
أحد كبار السن الذين التقيناهم – رجل تجاوز التسعين لكنه ما زال يحتفظ بذاكرة صافية – استقبلنا بملامح تُشبه تاريخ البلدة: صلبة، حزينة، وقادرة على الحكاية. جلس على كرسي خشبي قديم، تنفس بعمق، وقال:
“يا بنتي… جزين مرقت عليها قصص لو بتنكتب بدها مجلدات. أهل جزين عاشوا العذاب، بس ما ركعوا.”
ومن هنا بدأت الرواية…
زلزال الخمسينيات: حين اهتزّت الأرض تحت أقدام الجزينيين
يروي الرجل أنّ جزين في الخمسينيات تعرّضت لزلزال قوي هزّ البلدة بأكملها. البيوت القديمة لم تصمد كثيراً أمام غضب الأرض، فهي كانت مبنية من الحجر والطين، بأسقف ترابية يعتمد الأهالي على ترميمها سنوياً قبل الشتاء.
“الأحياء القديمة اتكسرت… الكنائس تضررت… والناس نامت برّا بليلة وحدة.”
لكن العناية الإلهية أنقذت جزين من دمار كامل، إذ إنّ القسم الغربي من البلدة بُني على أراضٍ رملية امتصت قوة الهزّة، مما خفف الأضرار بشكل كبير.
عاصفة الثمانينيات: الثلج الذي حاصر الناس لأسابيع
بعد عقود قليلة، واجهت جزين واحدة من أعنف العواصف الثلجية في تاريخها. الثلج سقط بغزارة غير مألوفة، وغطّى البيوت والطرق حتى انقطعت البلدة بالكامل. يروي الرجل:
“قعدنا أسابيع محبوسين ببيوتنا… الطرقات مسكّرة، والثلج واصل للمترين.”
تضررت بيوت عديدة، خاصة تلك الصغيرة القريبة من نبع جزين، وتعرّض أحد المنازل هناك إلى انهيار كامل بسبب تراكم الجليد.
أمّا الأهالي، فكانوا يعيشون على مؤونة الشتاء، والنار المشتعلة في المواقد.
التسعينيات: الانهيار الصخري الذي أغلق قلب البلدة
لم تلتقط جزين أنفاسها كثيراً، فـ عاصفة التسعينيات الكبرى جاءت بما هو أسوأ. الثلوج lغطّت الطرقات، ثمّ وقع الانهيار الصخري الشهير على حي الضيعة، فأغلق الطريق المؤدي إلى كنيسة السيدة وكنيسة مار مارون بالكامل.
“الساعة كانت وحدة بعد نص الليل… سمعنا دوّي مخيف، وطلعنا الصبح لقينا الصخور سدّت الطريق والنبع كمان.”
الخبر وصل سريعاً إلى صيدا.
وفي اليوم التالي، توجه محافظ الجنوب فيصل الصايغ إلى جزين، يرافقه قائمقام جزين حمود ونواب القضاء. المشهد كان كارثياً، والناس عالقة في منازلها. على الفور تم تكليف الجرافات وفرق الطوارئ بفتح الطرق بالسرعة القصوى، لإعادة ربط الأحياء ببعضها وتأمين وصول الأهالي إلى منازلهم.
جزين… مدينة لا تموت
بين زلزال الخمسينيات، وعاصفة الثمانينيات، وانهيار التسعينيات، تبدو جزين وكأنها تُختبر في كل مرحلة. لكن كما يروي كبارها، فإن البلدة كانت دائماً أقوى من المحن.
يختم الرجل حديثه قائلاً:
“جزين بتوقع… بس بترجع بتوقف. نحنا أهلها تعودنا نعيش على أمل. وكل جيل بيجي، بيكمل قصة الصمود.”
وخلاصة القول
تحقيق أخبار الأرز يكشف جزءاً من الذاكرة الجماعية الجزينية التي ما زالت حيّة في وجدان كبار السن. إنّه تاريخ نحتته الطبيعة بقسوتها، وصمد أمامه الإنسان الجزيني بصلابته. وبين الثلج والصخور والزلزال، بقيت جزين مدينةٌ تُشبه أهلها:
تتألم… لكن لا تنكسر
